ابن قيم الجوزية

319

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

خشية أن تكون تلك الحركة نفسية أو شيطانية ، لعدم العصمة في حقه ، واستمرار المحنة بعدوه . ما دام في عالم الابتلاء والامتحان . ثم أقدم على الفعل ، فهذا نهاية ما في مقدور الصادقين . ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة . ولهذا قال الأوزاعي وابن المبارك : « إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر » يعني أهل الجهاد . فإن اللّه تعالى يقول : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( 69 ) [ العنكبوت : 69 ] . وأما اعتراضات الأحكام : فيجوز أن يريد بالأحكام : الأحكام الكونية . وهو أظهر ، وأن يريد بها الأحكام الدينية . فإن أرباب الأحوال يقع منهم اعتراضات على الأحكام الجارية عليهم بخلاف ما يريدونه . فيحزنون عند إدراكهم لتلك الاعتراضات على ما صدر منهم من سوء الأدب . وتلك الاعتراضات هي إراداتهم خلاف ما جرى لهم به القدر . فيحزنون على عدم الموافقة ، وإرادة خلاف ما أريد بهم . وإن كان المراد به : الأحكام الدينية : فإنهم تعرض لهم أحوال لا يمكنهم الجمع بينها وبين أحكام الأمر - كما تقدم - فلا يجدون بدّا من القيام بأحكام الأمر . ولا بد أن يعرض لهم اعتراض خفي أو جلي ، بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر . فيحزنون لوجود هذه المعارضة . فإذا قاموا بأحكام الأمر ، ورأوا أن المصلحة في حقهم ذلك ، وحمدوا عاقبته : حزنوا على تسرّعهم على المعارضة . فالتسليم لداعي العلم واجب ، ومعارضة الحال من قبيل الإرادات والعلل ، فيحزن على نفيهما فيه . واللّه أعلم . منزلة الخوف ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الخوف » . وهي من أجلّ منازل الطريق ، وأنفعها للقلب . وهي فرض على كل أحد . قال اللّه تعالى : فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 175 ] وقال تعالى وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ البقرة : 40 ] وقال فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [ المائدة : 44 ] ومدح أهله في كتابه وأثنى عليهم . فقال إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 57 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 58 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ( 59 ) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ( 60 ) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ( 61 ) [ المؤمنون : الآيات 57 - 61 ] وفي « المسند » والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قلت « يا رسول اللّه ، قول اللّه وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [ المؤمنون : 60 ] أهو الذي يزني ، ويشرب الخمر ، ويسرق ؟ قال : لا ، يا ابنة الصدّيق . ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق . ويخاف أن لا يقبل منه » قال الحسن : عملوا واللّه بالطاعات . واجتهدوا فيها . وخافوا أن ترد عليهم . إن المؤمن جمع إحسانا وخشية ، والمنافق جمع إساءة وأمنا . و « الوجل » و « الخوف » و « الخشية » و « الرهبة » ألفاظ متقاربة غير مترادفة . قال أبو القاسم الجنيد : الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس . وقيل : الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف . وقيل : الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام . وهذا سبب الخوف . لا أنه نفسه . وقيل : الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره .